إخوان الصفاء
66
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
وأما من لا يعرف ما وصفنا له ، لا يعقل ما بيّن اللّه تعالى في كتابه على ألسنة أنبيائه إلّا هذه الدنيا التي كلّها آلام جسدانية من الشهوات الجسمانية واللذات الحيوانية ، فهو لا يرغب إلّا فيها ولا يتمنى إلّا الخلود معها ، كما وصفهم اللّه تعالى فقال : « يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ » فهؤلاء هم الكفار الذين تغطّى عليهم الصفات الحقيقة والأسرار الخفيّة التي كلها رموز أخرويّة ثابتة للنفوس الناجية من نيران الهاوية . نجانا اللّه وإياك أيها الأخ ، ورزقنا وإياك الدخول في زمر الملائكة . فصل فصل في كيفية وجدان اللذة والآلام معا في وقت واحد فنقول : اعلم أن الإنسان في دائم الأوقات لا يخلو من ألم ولذة جسمانية وروحانية من عدّة وجوه . مثال ذلك العاشق يرى معشوقه وهو على خيانة ، فتسره رؤيته له ويلتذ بها ، وتغمّه خيانته له وتؤلمه كما قال : قايست بين جماله وفعاله ، * فإذا الملاحة بالقباحة لا تفي وكمثل من يأكل طعاما يشتهيه وله رائحة منكرة تؤذيه ، مثل الصّحنى « 1 » والماميامه « 2 » لساكن السواحل ، فهو يلتذ بأكله وتؤلمه رائحته . ومثل من يسمع لحنا طيبا ونغمة لذيذة كغناء أبيات من الشعر فيها هجو له ، فإنه يلتذ باستماع اللحن اللطيف ، ويغمّه هجوه في وقت واحد . ومثل من يسمع بموت مورث له تركته ، فيغتم لخبر موته ، ويسرّه ما ورث . ومثل من به جرب مؤذ يحكّه ، فيجد له لذّة وغمّا في وقت واحد ، وألمين متضادّين وراحة بينهما .
--> ( 1 ) الصحنى : ادام من السمك الصغير المملوح . ( 2 ) الماميامه : الظاهر أنه ضرب من السمك ، ولعله المارماهي ، وهو الأنكليس .